موضوعات أخرى

مش بعمر 26 سنة؟! الجزء الأول

حكايات من الشارع
مش بعمر 26 سنة؟! الجزء الأول
بقلم: أصيل المصري

 

بحكم سكني قريب من مركز الحسين للسَّرطان، كنت تقريبًا كل يوم أشوف المرضى خارجين من المركز وأقرأ عبارة "السَّرطان لا وقت له". كنت بحكي بقلبي الله يشفيهم ويهوِّن عليهم يا رب... لأنّه سبحان الله الإنسان دايمًا بفكِّر حاله محصَّن من هيك أشياء أو على الأقل مش بفترة شبابه... أنا هيك كنت أفكِّر... مش بعمر 26 سنة.. مش و أنا حامل بأوّل طفل إلي... آخر إشي كنت أتخيَّله هو أنه و أنا أدعي لمرضى السَّرطان ربنا يشفيهم أنه السَّرطان كان عم يزيد بجسمي يوم عن يوم.
في بداية شهر 12/2016 عرفت أنّي حامل و طبعًا كأي حامل جديد بلَّش التَّعب و بلَّشَت التَّغيُّرات بس الغريب كان أنّه أعراض الحمل عندي ما كانت زي التّقليدي لعية و عصبيّة و ما منه... كان عندي تعب شديد مش معقول ما كنت أقدر أمشي أكمن متر بدون ما ينقطع نفسي... أشوف كدمات بجسمي مع إني ما ضربت بإشي... نزيف من الأنف و التهاب شديد جدًا باللّثة خلَّاني ما أقدر آكل أغلب الأشياء... و المُضحك المُبكي أنه شهر كامل كل ما أقرأ أو أسأل عن سبب هاي الأشياء اعرف أنها بتصير بسبب الحمل، و كل واحد فيهم إله تفسير طبِّي مُقنِع جدًّا بس ما بصير مع كلّ الحوامل بس مع فئة قليلة.
بتاريخ 26/1 بالصّدفة رحت علي طبيب عامّ و مش عشاني عشان زوجي بدّه يعمل فحوصات الدّم الدّورية تاعت كلّ سنة، و لأنّي حامل الدّكتور حكى بدّه يعملّي فحوصات دم و فيتامينات مهو "على التّأمين"! مع أنه فحوصات الحمل الدّورية كانت بعد أقلّ من شهر بس سبحان الله بجوز لو استنِّيت لوقتها ما كنت عم أكتب هالكلمات هلَّا...
بعد بيومين، و كان يوم سبت قرَّرت أروح على طوارئ، التهاب اللّثة صار لا يطاق و نزل على حلقي و صرت مقتنعة أنه رح أفلوز خصوصي مع تعب العظام و المفاصل يلّي صار معي، و منه باخد أكمن يوم إجازة أريِّح فيهم! قبل ما نوصل الطّوارئ رنّ الدكتور يلّي عمللنا الفحوصات على زوجي، وحكاله هلا بتاخد مرتك على طبيب دم، ما تستنّى ساعة زيادة، و ما حكى شو السَّبب. أنا وزوجي ما فكّرنا بالموضوع كتير مهو جديد صاير أي شي بصير معي من ورا الحمل و مبرَّر. بس وصلت للطّوارئ شرحت للطبيب كلّ شي عم يصير معي وطلبت يعملي فحوصات دم عشان يشوف إذا فيهم اشي مش طبيعي. بعد أقلّ من نص ساعة كان طبيب الطّواري عندي ومعه دكاترة تانيين، حسِّيت نظرة الشَّفقة بعيونهم وهمّة داخلين بس ما فهمت ليش. بعدها عرفت أنه عدد كريات الدّم البيضا عندي 87 ألف والحدّ الأقصى 10 آلاف. ومع كلّ الأعراض يلِّي عندي كان التّشخيص واحد: سرطان الدّم الحادّ (Leukaemia- AML) بس ما حد حكالي ليلتها حتى يطلع التّشخيص النهائي الأكيد بناءً على خزعة نخاع العظم (Bone marrow biopsy) يلّي عملتها هديك اللّيلة و بدون تخدير عشان الجنين لأنه لازم يتأكّدو من منبَت الدّم لتحديد كتير شغلات.

ثاني يوم الصّبح كان التّشخيص واضح، و لو استنّيت كمان أسبوع أو أكثر كان عملي نزيف بالدّماغ أو الرئة كونه 95% من دم النّخاع كان خلايا سرطانيّة... و دُغري عملوا تحويل لمركز الحسين للسَّرطان. كأيّ إنسان طبيعي صابني انهيار و عدم تصديق؛ كيف يعني 26 سنة و معي سرطان! حسّيت حالي بكابوس وتمنِّيت حد يصحّيني منه، أوّل وأكثر شيء فكّرت فيه هو جنيني، معقول يأثّر الكيماوي عليه؟ وأفكار تانية تأخذني وتجيبني بس خلص توكّلت على الله وحسب حكي Google الكيماوي ما بأثّر على الجنين بعد الشهر الرّابع، وأنا كنت بآخر أكمن يوم بالشّهر الثّالت يعني خلص طفلي بأمان، هيك تمنِّيت.

وصلت مركز الحسين، هاد الصّرح العظيم يلّي بدين إله بالكثير، كانوا كاتبينلي إدخال فوري وأبدا كيماوي بعد يومين كونه هاد النّوع من سرطان الدّم شرس جدًّا وبتفاقم بسرعة، بدون علاج ما بكمّل أكثر من 3-6 أشهر. المشكلة طلعت أنّه المركز ما عنده علم بحملي بسبب خربطة في بعث التّقارير! ورفض إدخالي لحدّ ما أرجع على المستشفى، وأعمل إجهاض لأنّه نوع الكيماوي هاد بيعمل تشوّهات أو إجهاض بنسبة شبه 95% كونه حملي بأوّله وجسمي ضعيف جدًّا، وإجهاض أثناء الكيماوي ممكن يتسبّب بكارثة والمركز ما في قسم نسائية مجهّز لهيك حالات! والصّدمة الأكبر كانت لمّا خبّرني الطبيب أنه هاد الكيماوي معه احتمال عدم الحمل مجدَّدًا في المستقبل عالية. من بعد هالحكي سكّرت الدنيا بوجهي فقدت كل أمل في الحياة. روّحت علبيت انهرت بكى وخبّرت زوجي أنّي قرّرت ما أتعالج وما رح أعمل إجهاض. على القليل بس أموت بظل قطعة منّي في هالدّنيا. طبعًا انجَنّ وسحبني معه على المستشفى عشان نبدا بإجراءات العملية ولو غصب عنِّي لأنّه يلي بحكيه نوع من الانتحار وما حد رح يأيِّدني، حكالي هاد الطّفل ملاك من الله عشان أكتشف المرض بالوقت المناسِب وأتعالَج، وشو بعرّفني أنّه السرطان ما رح يوصَل للطّفل ويخسرنا نحنا الاثنين، وأنه ربنا عنده رحمته ما بتخلص وأكيد رح يعوّضنا عن كلّ خسارة، وكلّ دمعة، وكلّ لحظة ألم. ثاني يوم كان الموضوع منتهي. أصعب يوم بحياتي، أصعب من السَّرطان، والكيماوي، وكلّ شي ثاني. كلّ الأحلام والتّخطيطات تبخَّرَت، والأواعي والأغراض اللِّي كانت قمّة سعادتي صارَت ألم ووجَع.

 

مش بعمر 26 سنة؟! الجزء الثاني

مش بعمر 26 سنة؟! الجزء الثالث

إضافة تعليق
بريد ألكتروني